أحمد زكي صفوت

50

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ثم نظرنا في تعقّب المتعقّب لقولنا ، والكاشر « 1 » لحجّتنا ، فأقمنا له علما واضحا ، وشاهدا قائما ، ومنارا بيّنا ، إذ وجدنا من فيه السّفوليّة الواضحة ، والمثالب « 2 » ، الفاضحة ، والكذب المبّرح ، والخلف المصرّح ، والجهالة المفرطة ، والرّكاكة المستخفّة ، وضعف اليقين والاستثبات ، وسرعة الغضب والجراءة قد استكمل سروره واعتدلت أموره وفاز بالسّهم الأغلب « 3 » والحظّ الأوفر ، والقدر الرفيع ، والجواز الطائع ، والأمر النافذ ، إن زلّ قيل حكم ، وإن أخطأ قيل أصاب ، وإن هذى في كلامه وهو يقظان قيل رؤيا صادقة ، من نسمة « 4 » مباركة . فهذه حجتنا واللّه على من زعم أن الجهل يخفض ، وأن النّوك « 5 » يردى ، وأن الكذب يضرّ ، وأن الخلف يزرى . ثم نظرنا في الوفاء والأمانة والنّبل والبلاغة وحسن المذهب وكمال المروءة وسعة الصدر ، وقلة الغضب ، وكرم الطبيعة ، والفائق في سعة علمه ، والحاكم على نفسه ، والغالب لهواه ، فوجدنا فلان بن فلان ، ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه ، ولا قام له بوظائف فرضه . ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به ، فهذا دليل أن الطّلاح « 6 » ، أجدى من الصلاح ، وأن الفضل قد مضى زمانه ، وعفت آثاره ، وصارت الدائرة عليه ، كما كانت الدائرة على ضده ، ووجدنا العقل يشقى به قرينه ، كما أن الجهل والحمق يحظى به خدينه « 7 » ، ووجدنا الشّعر ناطقا على الزمان ، ومعربا عن الأيام حيث يقول :

--> ( 1 ) الكاشر : من كشر له إذا تنمر له ، ورأى صوابه « والكاسر » بالسين . ( 2 ) المثالب : المعايب ، جمع مثلبة بفتح الميم مع فتح اللام وضمها ، والمبرح : الشديد ، والمصرح : المنجلى الخالص ، من صرحت الخمر تصريحا : أي انجلى زبدها فخلصت . ( 3 ) يقال : هضبة غلباء : أي عظيمة مشرفة ، وعزة غلباء كذلك على المثل . ( 4 ) النسمة : النفس . ( 5 ) النوك بالضم والفتح : الحمق . ( 6 ) الطلاح : ضد الصلاح . ( 7 ) الخدين والخدن بالكسر : الصاحب .